2017/04/25

يا عندليب.. يا حلو يا اسمر (5)/ عبد الحليم حافظ ومرحلة الأغنية الطويلة والجرأة والتساؤلات القدرية.



    كان الجديد في حياة عبد الحليم حافظ الفنية في السبعينيات دخولُهُ في مرحلة الأغنية الطويلة منذ عام 1970 وحتى رحيله مطلع عام 1977، هذه المرحلة التي افتتحها بليغ حمدي بشكلٍ رسمي عام 1970 مع أغنية "زي الهوى" (كلمات محمد حمزة)، وهي الأغنية الراقصة والمفعمة بالحيوية من أولها حتى آخرها، والتي استغرق تلحينها وقتاً طويلاً على غير المعتاد، وقد استعمل عبد الحليم وبليغ في المقدمة الموسيقية جيتار عمر خورشيد وسكسيفون سمير سرور، إلى أن تُختتم المقدِّمة بالمزامير التي تستعمل في الموسيقية الشعبية في الصعيد المصري...


 إنزل إلى أسفل لقراءة الموضوع كاملاً



يا عندليب.. يا حلو يا اسمر (5 من 5)

عبد الحليم حافظ
ومرحلة الأغنية الطويلة والجرأة والتساؤلات القدرية



حسين احمد صبرا
كان الجديد في حياة عبد الحليم حافظ الفنية في السبعينيات دخولُهُ في مرحلة الأغنية الطويلة منذ عام 1970 وحتى رحيله مطلع عام 1977، هذه المرحلة التي افتتحها بليغ حمدي بشكلٍ رسمي عام 1970 مع أغنية "زي الهوى" (كلمات محمد حمزة)، وهي الأغنية الراقصة والمفعمة بالحيوية من أولها حتى آخرها، والتي استغرق تلحينها وقتاً طويلاً على غير المعتاد، وقد استعمل عبد الحليم وبليغ في المقدمة الموسيقية جيتار عمر خورشيد وسكسيفون سمير سرور، إلى أن تُختتم المقدِّمة بالمزامير التي تستعمل في الموسيقية الشعبية في الصعيد المصري، والتي يستعملها في كل موسيقى الأغنية لاحقاً، أما الإيقاع فإنَّ الجزء الراقص من المقدِّمة الموسيقية قائم على "الإيقاع الصعيدي" وهو إيقاع راقص بامتياز.. ويبلغ اللحن ذروته في مقطع "وخدتني يا حبيبي/ ورحت طاير طاير" وفي الموسيقى الممهِّدة له.. ولم ينس كلٌّ من عبد الحليم وبليغ ختام هذه الأغنية باللحن الحزين والذي يكون عادةً في بعض الغناء الشعبي الفلكلوري، وذلك في مقطع "رميت الورد طفيت الشمع يا حبيبي" مع ما يتخلَّل هذا المقطع من آهات حزينة أشبه بالبكاء والنوح في الغناء والمواويل الشعبية ذات الطابع الدرامي..


   النجاح المدوي لهذا اللون الجديد الذي غناه عبد الحليم (مفتتحاً به أغانيه الطويلة على المسرح بشكلٍ رسمي) دفع بالعندليب إلى تقديم أغنية ثانية على المنوال نفسه عام 1971 وهي "مدّاح القمر" للشاعر والملحن نفسيهما (محمد حمزة/ بليغ حمدي)، حتى أنَّ عبد الحليم عرَّف عن بليغ حمدي في تقديمه لهذه الأغنية على المسرح بأنه "أمل مصر في الموسيقى".. أما عن الأغنية فهي بحد ذاتها أشبه بمولد، بل قل دقة زار، وخاصةً في موسيقى مقطع "يا شعر ليل وفارد ضفايرك عالقمر"، حيث الدفوف والإيقاع الشبيه بأغنية ريا وسكينة "ياختي عليها ياختي عليها"، وتراقص مجدي الحسيني على الأورغ وخربشات عمر خورشيد على الجيتار، فيما فتيات الكورال يطلقن الزغاريد من حينٍ لآخر وعبد الحليم يصفِّق ويطلب من الجمهور التصفيق.. إنَّ مشاهدة هذه الأغنية بالتصوير التلفزيوني تعتبر متعة المتع حيث الجميع في هيصة تراقصاً مع اللحن الباعث على الحماس والإنطراب والتراقص (فعلٌ جميل أن تشاهدوا هذه الأغنية عبر "اليوتيوب").. وأيضاً تزداد الهيصة والإنطراب مع مقطع "موال، عاشق بقيت موال وقصتي بتنقال" والموسيقى التي تسبقه.. أما عن ذكر العندليب في مقدمة هذه الأغنية من أنها مستوحاة من الفلكلور الحلبي فإنك لا تعثر من الفلكلور الحلبي إلا على هذه الجمل الشعرية "قَدُّكَ الميّاس يا عمري/ أيقظ الإحساس في صدري/ أنتَ أحلى الناس في نظري/ جَلَّ مَنْ سَوَّاك يا عمري"، أما عن اللحن فلا علاقة له بالفلكلور الحلبي، بل إنَّ بليغ حمدي أبدع في تلحين هذه الجمل بثلاثة ألحان مختلفة: اللحن الأول يَرِد بصوت عبد الحليم (ممن مقام الكرد)، يعقبه اللحن الثاني بأصوات الكورال من الرجال (من مقام الكرد أيضاً)، يعقبه اللحن الثالث بأصوات الكورال من الفتيات (من مقام الحجاز المُطَعَّم في أعلاه بالبياتي، وهو المقام نفسه الذي يقوم عليه الغناء الفلكلوري لهذه القدود الحلبية، لكنَّ اللحن مختلف كما أشرنا)..
   وهكذا، توالت ألحان بليغ حمدي لعبد الحليم في السبعينيات، فكانت أغنية "حاول تفتكرني" (محمد حمزة/ بليغ حمدي/ 1971) – موعود (محمد حمزة/ بليغ حمدي/ 1972، وقد استغرق تلحين مقطع "وابتدا المشوار" وقتاً طويلاً ليخرج بهذه الصيغة) – أي دمعة حزن لا (محمد حمزة/ بليغ حمدي/ 1973).. ثم انقطع بليغ عن التلحين لعبد الحليم لفترة بعد زواجه بوردة الجزائرية وتلحينه لها (وأيضاً لخلافه مع عبد الوهاب على مستحقاته المالية)، ثم عاد ولحَّن له "حبيبتي مَنْ تكون" (شعر خالد آل سعود) والتي أجرى العندليب بروفاتها في الاستديو قبل وفاته وظهرت على هذا النحو، ولم يتسنَّ لعبد الحليم غناء آخر لحن لحنه له بليغ وهو أغنية "هو اللي اختار" (كلمات محمد حمزة)، فغناه هاني شاكر بعد رحيل العندليب، بالإضافة إلى لحنَي "رحلة الأيام" و"باحلم بيوم" (كلمات محمد حمزة)، واللذان لم يكتملا.
هذا المسار الغنائي الذي اختاره عبد الحليم في ألحان بليغ حمدي جعل العندليب أشبه بمطرب شعبي يحيي الأفراح والموالد، ويقود الفرقة الموسيقية بنفسه، فهو يتحرَّك على المسرح جيئةً وذهاباً، وعند بدء أي مقطع موسيقي راقص يبدأ بالتصفيق مشيراً إلى الجمهور بأن يصفِّقوا بدورهم، ويصعد أيٌّ من الجمهور ليضع عقداً من القرنفل أو الياسمين حول رقبته، حتى حدث ذات مرة أن صعد أحد الجمهور على المسرح وألبس عبد الحليم الدشداشة... ومن جهتنا نرى في كل ذلك أنَّ العندليب كان مطرباً جماهيرياً من الطراز الأول والنادر، بينما أثار ذلك امتعاض موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، حتى انتقد االعندليب بقوله: "ناقص كمان ياكل سندويتش على المسرح!".
    ومن ناحية أخرى قَدَّم موسيقار الأجيال لعبد الحليم في السبعينيات ألحاناً يغلب عليها طابع الرصانة الموسيقية كما عادته، واحتوت على مواضيع جدية تمَّ طرحها بجرأة، فلحَّن للعندليب أغنية "فاتت جنبنا" عام 1974 (كلمات حسين السيد)، والتي تُعتبر ثورة في عالم الغناء العربي لأنها عبارة عن قصة قصيرة، أبطالها شابان وفتاة، وتروي تفاصيل دقيقة حدثت في لحظات ودقائق وأيام، إلى أن تصارح الفتاةُ عبدَ الحليم بأنها تبتسم له هو وليس لصاحبه (وقالت لي أنا من الأول باضحك لك يا اسمراني).. ثم لحَّن عبد الوهاب لعبد الحليم أغنية "نبتدي منين الحكاية" (كلمات محمد حمزة/ 1975)، وأخيراً لحَّن أغنية "من غير ليه" (كلمات مرسي جميل عزيز، 1976)، والتي لم يغنِّ منها عبد الحليم سوى قدر يسير في البروفات، وكان عبد الوهاب قد غناها في حينه على عوده ثم أضاف إليها صوت الآلات الموسيقية عام 1989..
عبد الحليم ومحمد حمزة
   أريد هنا التوقف قليلاً  مع أغنية "نبتدي منين الحكاية" لأقول كلاماً أعلنه لأول مرة، فهذه الأغنية جريئة جداً حيث يقدِّم فيها الشاعر محمد حمزة – أول ما يقدِّم – الوصفة التي جعلت الحب بينه وبين محبوبته ناجحاً وشاباً دائماً (تعالَ نقول لغيرنا أنا وانت إزاي قِدِرنا نبعد عن أي عذاب ونعيش على طول أحباب، نحضن فرحتنا سوا ونخلّي الحب شباب).. إلى أن يقول: "وفي لحظة وقفنا/ وابتدا خوفنا/ ولاقينا حوالينا الدنيا ضباب وليل وقلب جريح/ زي أوراق الشجر وقت الخريف رماها الريح".. لماذا؟! وماذا يوجد أكثر من الحب (سألنا روحنا ليه؟/ أكتر من حبِّنا إيه؟).. هنا تطل الدعوة الجريئة من خلال وجهة نظر الحبيب المقابلة لوجهة نظر المحبوبة، فهي تطلب الإكتفاء بالحب العذري، بينما هو يطلب منها اللقاء الجسدي، ولنقرأ الكلام بتمعُّن، إذ يخاطب عبد الحليم محبوبته قائلاً: "إنتَ شايف الحب كله عيون وهمس"، أي حب بدون لمس، بينما وجهة نظر المحبوب (أي عبد الحليم) هي التالية: "لكن أنا شايف أحلى كلام عشاق يا حبيبي هُوَّ كلام الشفايف".. وهنا تحاول إقناعه بسعادتهما الحاصلة أثناء لقائهما حيث يتنهَّدان ويسرحان في الخيال، أوليس هذا بكافٍ (وانتَ جنبي بكل ميعاد بيجمعنا بنروح بعيد ويَّا التنهيد).. فما الذي يراه المحبوب وفق وجهة نظره؟ إنه يرى التالي: "وأنا باشوف لقانا هُوَّ: إتنين سوا دايبين في لمسة إيد".. لكنَّ المحبوبة تجيبه بأنها تخاف من الذهاب في اللقاء الجسدي حتى النهاية وتحدث الكارثة، فتقول: "باخاف نمشي ونبعد، ده الهوى جبَّار يلعب بينا".. إلا أنه يشجِّعها على ذلك بأن يقول لها: "خايف من إيه؟ فيه أجمل إيه من حضن الحب يدفِّينا".. تحاول أن تقنعه بوجهة نظرها فتقول له: "شوف القمر، ويَّايا شوف القمر اللي كل العاشقين سهروا الليالي فيه".. فيجيبها: "حلو القمر حلو، بس أحلى من القمر لو نخلِّي عمرنا يوم ندوق الحب فيه".. فتستجيب المحبوبة ويحدث اللقاء الجسدي ويتذوَّق كلاهما الحب، وهو ما نجده في العبارة التالية: "وتبدد خوفنا (أي بالعبارة الفصيحة: تَبَدَّدَ خوفُنا) من بعد وقوفنا، ودقِّت قلوبنا وعرفنا إيه الدوا، وعشنا الحب خيال وحقيقة سوا".
    أما الموسيقار محمد الموجي فقد اختصَّ في السبعينيات بتلحين القصائد، حيث لحَّن قصيدتين طويلتين من أشعار نزار قباني ستظلان علامة مميزة في تاريخ العندليب، الذي ختم بهما حياته الفنية: "رسالة من تحت الماء" (1973) و"قارئة الفنجان" (1976).. وقد سبق للموجي أن لحَّن لعبد الحليم قصيدة "يا مالكاً قلبي" عام 1969 (شعر عبد الله الفيصل).. أما آخر أغنية لحَّنها للعندليب فهي "مين أنا" (كلمات محمد حمزة)، ويوجد منها نسخة بصوت العندليب حينما غناها أثناء البروفات..
    أما الموسيقار كمال الطويل فقد أشرنا في الحديث السابق إلى أنَّ خلافاً كان قد وقع بينه وبين العندليب الأسمر منذ الستينيات، وكانت آخر أغنية عاطفية لحَّنها لعبد الحليم على الإطلاق هي أغنية "بلاش عتاب" عام 1966 وغناها في فيلم "معبودة الجماهير"، الذي عُرض مطلع عام 1967.. وبعدما تصالح الطويل مع العندليب في السبعينيات أراد عبد الحليم منه أن يلحِّن قصيدة "قارئة الفنجان" (شعر نزار قباني)، فاعترض الطويل قائلاً: "بعد الغيبة الطويلة دي أَلَحَّن لك قصيدة؟! إيه رأيك لو نبتدي بأغنية عاطفية شعبية، مش تبقى ألطف؟!".. وكان الطويل آنذاك قد فرغ من تلحين أغنية لنجاة الصغيرة هي "ولا كل من ضحكت عينيه عاشق"، فاستمع إليها عبد الحليم وأعجبته وأصرَّ على غنائها، ثم حدث أن لم يغنِّها أحد، لا عبد الحليم ولا نجاة (الأغاني الوطنية التي لحنها الطويل في السبعينيات سنأتي على ذكرها بعد قليل).
   ولا بد لنا هنا من ذكر أنَّ عبد الحليم عاد وجدَّد في حفلاته أغنيتي "أهواك" و"توبة" (ألحان محمد عبد الوهاب) وأغنيتي "أبو عيون جريئة" و"في يوم من الأيام" (ألحان كمال الطويل)، حيث قدَّمهما في حفلاته بعد تجديد التوزيع الموسيقي مستخدماً الآلات الموسيقية الإلكترونية التي اشتراها من لندن..
هذا في ما يتعلق بالغناء العاطفي، أما عن غناء عبد الحليم الوطني في السبعينيات فقد غنَّى في أيار/ مايو 1970 أغنية "طاير على جناح الحمام" عقب العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان (كلمات محمد سلمان/ ألحان بليغ حمدي)، ثم غنَّى في أعقاب حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973 عدداً من الأغاني الوطنية، حيث كان أثناء الحرب في رحلة علاج في لندن، وهي: لفي البلاد يا صبية (محسن الخياط/ محمد الموجي) – صباح الخير يا سينا (عبد الرحمان الأبنودي/ كمال الطويل) – عاش اللي قال (محمد حمزة/بليغ حمدي) – خلي السلاح صاحي (عبد الرحيم منصور/ بليغ حمدي) – قومي إليكي السلام يا مصر يا بلادي (عبد الرحيم منصور/ بليغ حمدي) – الفجر لاح (محسن الخياط/ بليغ حمدي).. ثم غنَّى عام 1974 "حيّوا اللي قال" (محمد الموجي)، وأخيراً غنَّى بمناسبة إعادة افتتاح الملاحة في قناة السويس في آذار/ مارس 1975 "المركبة عَدِّت" (مصطفى الضمراني/ محمد عبد الوهاب)، وتلك كانت آخر أغنية وطنية غنَّاها العندليب.

    ولا بد لي في ختام هذه السلسلة من الأحاديث عن العندليب الأسمر من الإشارة إلى أنه ختم حياته الغنائية بعددٍ من الأغاني التي طغت عليها التساؤلات القدرية، وذلك نتيجة رحلة عذابه الممتدة مع المرض، وقد جاء ذلك في أغنيتي "من غير ليه" و"مين أنا"، ناهيك عن الأفق المسدود في "قارئة الفنجان" والسوداوية التي طغت عليها (وسترجع يوماً يا ولدي مهزوماً مكسور الوجدان/ وستعرف بعد رحيل العمر بأنَّك كنتَ تطارد خيطَ دُخان/ فحبيبة قلبك يا ولدي ليس لها أرضٌ أو وطنٌ أو عنوان/ ما أصعب أن تهوى امرأةً يا ولدي ليس لها عنوان).. أما في أغنية "من غير ليه" فتبدو الصور القدرية: "جايين الدنيا ما نعرف ليه، ولا رايحين فين/ ولا عايزين إيه/ مشاوير مرسومة لخطاوينا/ نمشيها بغربة ليالينا/ يوم تِفْرِحنا/ ويوم تِجْرَحنا/ واحنا ولا عارفين ليه"... وفي أغنية "مين أنا" تساؤلات قدرية مباشرة: "مين أنا/ عايز أعرف مين أنا/ ليه أنا/ عايز أعرف ليه أنا/ إختارت الدنيا الميعاد/ واختاروا إسمي في الميلاد/ ما كان بإيدي بدايتي/ ولا بإيدي نهايتي/ مين أنا؟؟".
تلك كانت مجرد محاولة لرسم صورة عن مسيرة العندليب الأسمر الغنائية في ذكراه الثامنة والثلاثين.

(نُشر هذا الموضوع في مجلة "الشراع" اللبنانية بتاريخ 27 نيسان/ ابريل 2015، العدد رقم 1694).

الحديث السابق:



صور اقتطعتُها من أغنية عبد الحليم "مداح القمر":

























 x

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق