2017/03/16

كتاب "بوتين زعيم مافيا" (37)/ بوتين صفَّى معظم مَنْ اتهم الإستخبارات الروسية بتفجير الشقق السكنية الواحد تلو الآخر.



ما علينا سوى ملاحظة ما حلَّ بأعضاء لجنة "كوفاليوف" الواحد تلو الآخر، إذ بعد أقل من عامٍ على تشكيلها وبدء توصُّلها إلى أدلة على تورُّط الإستخبارات الروسية في تفجير المباني السكنية، اغتيل أحد أعضائها النائب سيرجي يوشنكوف بالرصاص أمام مدخل منزله في 17 نيسان/ أبريل 2003.. وبعد أقل من ثلاثة أشهر تم تسميم عضوٍ آخر هو الصحافي يوري شيكوتشيخين بمادة الثاليوم المشعَّة في 3 تموز/ يوليو 2003.. وبعد أقل من أربعة أشهر تمَّ اعتقال مستشار اللجنة، المحامي والمحقِّق ميخائيل تريباشكين...


إنزل إلى أسفل لقراءة الموضوع كاملاً



كتاب
بوتين زعيم مافيا
(ملف ضخم عن فساد بوتين وإجرامه)
تأليف: حسين احمد صبرا
(2016)



الإهداء:
إلى روح الشهيد ألكسندر ليتفيننكو
(ضابط الإستخبارات المنشق، والذي اغتاله بوتين في لندن عام 2006)




الطامع في ثروة سورية النفطية (37)

هكذا وصل إلى السلطة:
بوتين صفَّى معظم مَنْ اتهم الإستخبارات الروسية
بتفجير الشقق السكنية الواحد تلو الآخر





حسين احمد صبرا
برأينا أنَّ الضجة التي أحدثها في روسيا كتاب "تفجير روسيا – الإرهاب من الداخل" لألكسندر ليتفيننكو ويوري فيلشْتنسكي بعدما نشرته جريدة "نوفايا جازيتا" الروسية المستقلة في عددٍ خاص في شهر آب/ أغسطس عام 2001، هو الذي دفع بالمعارضة الروسية إلى تشكيل لجنة عامة عام 2002 للتحقيق في تورُّط جهاز الإستخبارات الروسية الـ"أف. سي. بي" (الـ"كي. جي. بي" سابقاً) في تفجير المباني السكنية في عددٍ من المدن الروسية في أيلول/ سبتمبر 1999 لتبرير شن حربٍ ثانية على الشيشان وإيصال فلاديمير بوتين إلى السلطة متوعِّداً بالإنتقام من "الإرهابيين" الشيشانيين..
بالإضافة إلى أنَّ التحقيق الرسمي في قضية التفجيرات انتهى عام 2002 إلى توجيه الإتهام إلى الشيشاني أتشيميز جوتشياييف، الذي هو صاحب تعاونية غذائية في موسكو، وما يزال إلى الآن طليقاً بعدما فرَّ إلى خارج روسيا، بما يعني التعمية الرسمية على المنفِّذ الحقيقي للتفجيرات وهو الإستخبارات الروسية.
سيرجي كوفاليوف
إذاً، عُرِفَت هذه اللجنة بإسم "لجنة كوفاليوف"، نسبةً إلى رئيسها البرلماني سيرجي كوفاليوف (كان نائب رئيس مجلس الدوما الروسي آنذاك)، والذي كان واحداً ممن شكَّلوا حركة الدفاع عن حقوق الإنسان في الإتحاد السوفياتي عام 1969، وكانت هذه الحركة الأولى من نوعها كهيئة مستقلة عن الدولة، كما كان كوفاليوف أحد منتقدي النزعات الإستبدادية لإدارة بوريس يلتسين ثم فلاديمير بوتين، وقد استقال من منصبه كرئيسٍ للجنة حقوق الإنسان الرئاسية زمن يلتسين، ونشر رسالةً مفتوحة إليه اتهمه فيها بالتخلي عن المبادىء الديمقراطية.

من الأعلى يميناً: سيرجي يوشنكوف ويوري شيكوتشيخين
من الأسفل يميناً: ميخائيل تريباشكين وآنَّا بوليتكوفسكايا

وما علينا سوى ملاحظة ما حلَّ بأعضاء هذه اللجنة الواحد تلو الآخر، إذ بعد أقل من عامٍ على تشكيلها وبدء توصُّلها إلى أدلة على تورُّط الإستخبارات الروسية في تفجير المباني السكنية، اغتيل أحد أعضائها النائب سيرجي يوشنكوف بالرصاص أمام مدخل منزله في 17 نيسان/ أبريل 2003.. وبعد أقل من ثلاثة أشهر تم تسميم عضوٍ آخر هو الصحافي يوري شيكوتشيخين بمادة الثاليوم المشعَّة في 3 تموز/ يوليو 2003.. وبعد أقل من أربعة أشهر تمَّ اعتقال مستشار اللجنة، المحامي والمحقِّق ميخائيل تريباشكين في 22 تشرين الأول/ أكتوبر 2003 بتهمة حيازة أسلحة دون ترخيص وسجنه لمدة 4 سنوات (بعد ذلك بشهرٍ واحد تعرَّض أحد أعضاء اللجنة أوتا لاتسيس للإعتداء بالضرب من قبل مجهولين في تشرين الثاني/ نوفمبر 2003، هذا بالإضافة إلى اغتيال الصحافية آنا بوليتكوفسكايا عام 2006 وهي التي كانت تحقق في هذه القضية أيضاً).. وبذا تمَّ شَلُّ عمل اللجنة فعلياً ولم تستطع أن تعرض أدلَّتها أمام المحكمة، بل إنَّ الحكومة رفضت الرد على استفساراتها! فمن هم هؤلاء الثلاثة – يوشنكوف وشيكوتشيخين وتريباشكين – وماذا جرى معهم؟

إغتيال سيرجي يوشنكوف

الشهيد سيرجي يوشنكوف
سيرجي يوشنكوف (مواليد 1950) هو سياسي روسي ليبرالي عُرف بنضاله من أجل تحقيق الديمقراطية والإصلاحات الإقتصادية والسوق الحرة، وبالدفاع عن حقوق الإنسان في روسيا.. وكان عضواً منتخَباً في جميع البرلمانات الروسية من عام 1989 حتى اغتياله عام 2003، ونذكر في هذا الإطار أنَّ يوشنكوف، أثناء محاولة الإنقلاب السوفياتية عام 1991، هو الذي قام بتنظيم سلسلة بشرية من المدنيين الذين جاؤوا لحماية البرلمان في موسكو، وفاوض بنجاحٍ العسكريين الذين جاؤوا لاقتحام مبنى البرلمان.. كما كان من أبرز منتقدي حرب الشيشان الأولى (1994 – 1996) والثانية (1999 – 2000)، معتبراً أنَّ وجود الجيش الروسي في الشيشان أمراً غير شرعي. 
من اليمين: سيرجي كوفاليوف وسيرجي يوشنكوف
أثناء اجتماع "لجنة كوفاليوف" في موسكو في 25-7-2002
أما في ما يتعلَّق بــ"لجنة كوفاليوف" التي تشكَّلت كما ذكرنا للتحقيق في تفجيرات المباني السكنية في روسيا في العام 1999، فإنَّ يوشنكوف كان نائب رئيس هذه اللجنة، وكانت وجهة نظره أنَّ جهاز الإستخبارات الروسية الـ"أف. سي. بي" هو الذي دبَّر التفجيرات للحصول على الدعم الشعبي لحرب الشيشان، وكان يُعرب في بعض الأحيان في أحاديثه الجانبية مع الصحافيين عن اعتقاده الشخصي بأنَّ الإستخبارات الروسية كانت وراء التفجيرات.. وفي آذار/ مارس 2002 ظهر يوشينكوف في الفيلم الوثائقي "إغتيال روسيا" (تحدَّثنا عنه سابقاً) والذي أُنتج في لندن عن تفجيرات المباني السكنية في روسيا، وقد وصف يوشنكوف هذه التفجيرات بأنها عمل إرهابي ارتكبه جهاز الإستخبارات الروسية، وأعلن أنَّ حزبه "روسيا الليبرالية" سيوزِّع نسخ الفيلم في جميع أنحاء البلاد لإظهار "كيف خدع جهاز الإستخبارات المواطنين الروس".. وعلى الرغم من مصادرة العديد من النسخ في الجمارك الروسية إلا أنه تم تهريب عشرات الآلاف منها ووُزِّعت في روسيا..
سيرجي يوشنكوف
   وأثناء زيارته إلى الولايات المتحدة في نيسان/ أبريل 2002 تحدَّث يوشنكوف عن أمرٍ سري صادر عن بوريس يلتسين لبدء حرب الشيشان الثانية، وأنَّ الأمر صدر استجابةً لطلبٍ من 24 محافظاً روسياً بأنَّ على يلتسين نقل جميع سلطات الدولة إلى رئيس الوزراء فلاديمير بوتين، وأنَّ هذا الأمر الذي أصدره يلتسين بتاريخ 23 أيلول/ سبتمبر 1999 هو اليوم نفسه الذي تمَّ فيه إلقاء القبض على ثلاثة من عملاء الإستخبارات الروسية كانوا قد زرعوا عبوةً ناسفة في مجمَّع سكني في مدينة ريازان (ومن بعد ذلك توقفت التفجيرات فجأةً/ راجع الأحاديث السابقة)، وأنَّ فلاديمير بوتين في اليوم التالي بدأ الحملة العسكرية في الشيشان.. ووفقاً ليوشنكوف فإنَّ وصول بوتين إلى رأس السلطة يمثِّل نجاحاً للإنقلاب المنظَّم  من قبل الإستخبارات الروسية..
عملية إنقاذ الرهائن في مسرح موسكو (2002)
   وعندما حدثت أزمة رهائن مسرح موسكو في 23 تشرين الأول/ أكتوبر عام 2002 حيث احتجزت محموعة مسلَّحة من الشيشانيين رواد المسرح، اتَّهم يوشنكوف الإستخبارات الروسية بالتورط في احتجاز الرهائن من خلال عميلهم الشيشاني خانباش تيركيباييف، الذي هو بالمناسبة الوحيد من محتجزي الرهائن الذي غادر المسرح على قيد الحياة، وقال يوشنكوف إنَّ تيركيباييف هو الذي قاد المجموعة الشيشانية إلى المسرح (سنفرد لذلك حديثاً مستقلاً)..



اغتيل سيرجي يوشنكوف برصاصة في صدره أمام مدخل منزله في موسكو في 17 نيسان/ أبريل 2003، أي قبل 13 يوماً من إعلان السلطات الروسية الإنتهاء من التحقيق الرسمي في تفجيرات المباني السكنية وإغلاق ملف القضية دون الوصول إلى نتائج..
جثمان الشهيد سيرجي يوشنكوف
    كما أنَّ اغتياله جاء بعد ساعاتٍ من تسجيل حزبٍ سياسي له للمشاركة في إنتخابات كانون الأول/ ديسمبر 2003، وخاصةً أنَّ يوشنكوف كان قد وعد الناخبين بإجراء تحقيق مستقل في تفحيرات شقق موسكو الروسية كقضية رئيسة في حملته الإنتخابية..
أرملة يوشنكوف وإبنه وابنته أثناء الجنازة
   من هنا فإنَّ زميله في "لجنة كوفاليوف" ميخائيل تريباشكين قال إنه يعتقد أنَّ يوشنكوف قد اغتيل لأنه كان زعيم حزب المعارضة الذي تحدَّى سلطة الـ"أف. سي. بي" والسلطات الروسية.. ووفق ما كشفه مساعد يوشنكوف، الصحافي الروسي جريجوري باسكو، فإنَّ الأول قال له قبل فترة وجيزة من اغتياله أنَّ الـ"أف. سي. بي" تهدِّده بالقتل، وأنَّ الجنرال في الـ"أف. سي. بي" ألكسندر ميخائيلوف قال له: "سنتعامل معك لاحقاً يا يوشنكوف".
من اليمين: يوشنكوف مع بوريس نيمتسوف في أحد المهرجانات الحزبية
عقب مقتل يوشنكوف قال زعيم المعارضة الروسية آنذاك الشهيد بوريس نيمتسوف (الذي اغتالته الإستخبارات الروسية في 27/ 2/ 2015): "كان سيرجي رجلاً ذا سمعةٍ طيبة، وحتى أعداؤه السياسيون اعترفوا بهذه الحقيقة".. كما أنَّ أحد أعضاء حزب "أحرار روسيا"، يولي ريباكوف، تكهَّن في صحيفة "موسكو تايمز" أنَّ يوشنكوف من الممكن أن يكون قُتل بسبب محاولاته إظهار أنَّ الإستخبارات الروسية كانت متورطة في سلسلة الإنفجارات في شقق موسكو عام 1999..
والدة يوشنكوف منهارة أثناء الجنازة
   أما الشهيد ألكسندر ليتفيننكو (الذي سمَّمته الإستخبارات الروسية في لندن عام 2006) فرأى أنَّ يوشنكوف قد يكون قُتل لأنه كان يعرف أنَّ الإستخبارات الروسية هي التي نظَّمت أزمة رهائن مسرح موسكو، بما يتَّفق مع تقريرٍ سابق أعدَّته الصحافية الشهيدة آنا بوليتكوفسكايا (التي قتلتها الإستخبارات الروسية عام 2006)، وقال ليتفيننكو في بيانٍ صحافي في 25 نيسان 2003 إنَّ يوشنكوف قُتل بعدما حصل على أدلة عن تورط الـ"أف. سي. بي" في العمل الإرهابي في دوبروفكا.


مكان اغتيال يوشنكوف، وإحدى السيدات تقرأ خبر اغتياله
نذكر أنَّ مما قاله يوشنكوف عن تعزيز سلطات الإستخبارات الروسية مجدداً بعد تولي بوتين الرئاسة: "هذا في الواقع يشير إلى ولادة جديدة للـ"كي. جي. بي"، ويشير إلى تعزيز الرقابة على نشاط المواطنين الفاعلين – أولاً وقبل كل شيء – في مجال السياسة وكذلك الأعمال التجارية. إنَّ تركيز مصادر المعلومات وتطبيق القانون في جهازٍ واحدٍ هو إشارة على نحوٍ فاعلٍ على تصفية الحريات وتصفية الفصل بين السلطات المصادَق عليه في وقتٍ سابق بين فروع السلطة في نظامنا".
   نذكر أنَّ صحيفة "جيزن" (الحياة) الروسية ذكرت على صفحتها الأولى أنَّ "يوشنكوف عَلِمَ بأنهم سيقتلونه" (أُنظر إلى الصورة أعلاه).

(نُشر هذا الموضوع في مجلة "الشراع" اللبنانية بتاريخ 26 كانون الأول/ ديسمبر 2016 – العدد 1779).

الحديث التالي:
الحديث السابق:











 x

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق